بث تجريبي للموقع

صعوبة القراءة والديسلكسيا هل هما مختلفان ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

يُعتبر مجال صعوبات التعلُّم من المجالات التي تُشجِّع على الكتابة والبحث، وذلك ناتجٌ عن طبيعة صعوبات التعلُّم، وأنها إعاقة خفيَّة يجري الكشف والبحث عن طبيعتها والتعامل معها، ولهذا لا بد أن يكون هناك اختلافات بين المختصين.


ومن الأمور التي بدأت تظهر على السطح في مجال صعوبات التعلم في وسطنا العربي هو أن هناك فرقًا بين الديسلكسيا وصعوبة القراءة، وأننا عندما نقول: “ديسلكسيا”؛ فإننا نقصد شيئًا معينًا، وعندما نقول: صعوبة قراءة فإننا نقصد شيئًا آخر.
وقبل أن أدخل في التعقيب والتوضيح، أود أن أُبيِّن أنه بحسب ما هو واضح فإن حقل صعوبات التعلم نتاج لجهود متضافرة من عدة مجالات علمية أبرزها الطبية، والنفسية، والتربوية، ولكي نعرف صعوبات التعلم لا بد أن نعود إلى تاريخ ونشأة مفهوم صعوبات التعلم، والمراحل التي مرَّ بها إلى أن وصلنا إلى يومنا الحاضر.


وأعتقد أن من يفرِّق بين مصطلح “ديسلكسيا” وصعوبة القراءة يرى أنهما مشكلتان مختلفتان، وأن لكل منهما مظاهرَ وأسبابًا مختلفة، أمر يجانب الصواب. فيتضح لي مدى تأثر البعض ببعض التفسيرات الطبية للمصطلحات القديمة مثل عمى الكلمة “كزمول” 1877م، أو الخلط بين وظائف شِقَّي المخ “أورتن” 1934م، دون النظر إلى ما أتى بعدها من بحوث تربوية حول المصطلح.


فعند النظر في التاريخ نجد أن المصطلحات التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر مثل عمى الكلمة (Wordblindness) والذي استخدمه كل من هنشلوود ومورقان في دراساتهما، وكذلك مصطلح الديسلكسيا الذي أطلقه برلين عام 1887 كلها تصف حالات متشابهة في أعراضها وهي صعوبة القراءة، وكلها صدرت من علماء في الطب، لتكون النواة الأولى لما يعرف الآن بصعوبات التعلم والتي تتخذ من صعوبات القراءة محورًا للبحث العلمي.


وبما أن من المتوقع أن العاملين في المجالات الطبية يستخدمون المصطلحات الطبية لاتينية وإغريقية الأصل مثل الديسلكسيا والديسقرافيا والدسكالكوليا (Dysgraphia ، Dyslexia ، Dyscalculia)، ففي المقابل يتوقع من التربويين كالمتخصصين في صعوبات التعلم أن يستخدموا المصطلحات التربوية المقابلة لها، خاصة مع وجود نظريات وبحوث حديثة أوضحت مفهوم صعوبة القراءة والديسلكسيا، وأننا نتعامل مع قضايا تربوية، ونعمل مع المعلمين وأولياء أمور التلاميذ.


وأودّ أن أوضح أن أصل الديسلكسيا Dyslexia، كلمةٌ يونانيّة، مُكوّنة من مقطعين: الأول (Dys) وتعني صعوبة، والثاني (lexia) وتعني الكلمة المقروءة . المصدر موقع الباحثون الجزائريون

أي: صعوبة الكلمة المقروءة، بمعنى صعوبة القراءة؛ فالمسألة ليست سوى نوع واحد إذًا!
ولكي نتأكد أكثر لا بد أن نعود إلى الكتب التي عُنِيَتْ بصعوبات التعلم، ولا بد من الإشارة إلى كتاب “صموائيل كيرك” العالم الشهير، والذي يُعتبر بحق من قادة التطور في مجال التربية الخاصة، أمضى ستًّا وستين سنة في دفع عجلة التربية الخاصة بجميع فروعها و مناشطها إلى الأمام (أبونيان 2019).
نجد هذا العالِم الشهير لم يذكر أن هناك نوعين أو أن هناك اختلافًا بين الديسلكسيا وصعوبة القراءة؛ حيث قال في كتابه في الفصل العاشر صفحة 296: (تعتبر صعوبة القراءة أكثر الأنماط شيوعًا لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم)، في النسخة العربية المترجمة والإنجليزية نجد كلمة dyslexia للجملة السابقة.

(كتاب صعوبات التعلم وطرق التدريس والاستراتيجيات المعرفية، للدكتور إبراهيم أبونيان طبعة2002 -2019م ص37 الطبعة الرابعة).
تظهر صعوبات التعلم في القراءة على أشكال متنوعة؛ فمن بين التلاميذ من يجد “صعوبة بالغة” في الوعي بالأصوات اللغوية (أبونيان 2019م).
وأضاف: “كما يجد البعض الآخر صعوبة في فهم ما يقرأ، ولو كانت قراءته الظاهرية سليمة”، وذكر أيضًا في نفس الصفحة من مظاهر صعوبة القراءة: “تحليل وتهجي الكلمات الغريبة لغرض نطقها”.


وكذلك كتاب “صعوبات التعلم من التشخيص إلى العلاج” لـ”جاك فليتشر وآخرين” 2003م ترجمة شحدة فارع 2013م، صفحة 150؛ قال: “أصبحت تسمية صعوبة قراءة الكلمة مرادفة لمصطلح ديسلكسيا “صعوبة تعلم القراءة” التي تُعرَف بدورها على أنها شكل من أشكال صعوبات التعلم”.
من خلال ما سبق نستخرج التالي:

  1. أن صعوبة تعلم القراءة هي مرتكز البحوث الطبية التي وضعت حجر الأساس لما يعرف الآن بصعوبات التعلم.
  2. لم يتطرق أحدٌ منهم إلى أن ديسلكسيا وصعوبة القراءة نوعان مختلفان.
  3. المظاهر شاملة ومتعدِّدة لصعوبة القراءة.
  4. الترجمة إلى العربية قد تختلف ولكن الجوهر واحد.
  5. الأسباب واحدة لنشوء صعوبة القراءة.

  6. فالقول إن صعوبة القراءة وصعوبات القراءة لهم بروفيلات معرفية تختلف عن ذوي عسر القراءة، وعسر القراءة لهم بروفيلات معرفية عصبية تختلف عن ذوي صعوبات القراءة، وأن صعوبة القراءة تكون في صعوبة القراءة! والديسلكسيا تكون في التهجئة والقراءة والتعرف على الحروف والجمل.. كل هذا أمر يجانب الصواب، ولا نجده في الكتب المختصة في مجال صعوبات التعلم، وقد يخضع في جله إلى رأي الكاتب.
    وسوف نقف عند أمور عدة، بأن هناك فرقًا بين صعوبة الكتابة و ديسغرافيا (Dysgraphia) وبين (dyscalculia) صعوبة الحساب (الدسكلكوليا).
    ورغم أنه يظهر في بعض الدراسات أن مصطلح الديسلكسيا يخصص للحالات الشديدة إلا أن هذا قد يميل إلى الرأي أكثر من ميله إلى المستند العلمي التاريخي.
    وبهذا أستطيع أن أقول: إن ما يسمى بالديسلكسيا وصعوبة القراءة هما أمرٌ واحد، ومظاهرهما واحدة، وكذلك تدرجهما في الشدة، وأن من يفرِّق بينهما يستند إلى الرأي أكثر من استناده إلى مرجع علمي.
    كتبه
    أ.محمد عبدالله القباني
    معلم ذوي صعوبات تعلم


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>